قال صاحب الكشاف: هذا الكلام خطاب للملائكة. وتقريع للكفار وارد على المثل السائر: إياك أعنى واسمعي يا جارة، ونحوه قوله - تعالى - لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد علم - سبحانه - كون الملائكة وعيسى، منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا، فيكون التقريع
للمشركين أشد، والتعبير أبلغ، وهوانهم ألزم. .
وقوله - تعالى -: قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ حكاية لأقوال الملائكة.
أي: قال الملائكة في الإجابة على سؤال خالقهم. سُبْحانَكَ أي: ننزهك ونقدسك عن أن يكون لك شريك في عبادتك وطاعتك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي: أنت الذي نواليك ونتقرب إليك وحدك بالعبادة، وليس بيننا وبين هؤلاء المشركين أي موالاة أو قرب، ولا دخل لنا في عبادتهم لغيرك.
ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه في الدنيا فقالوا: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ.
أي: إن هؤلاء المشركين لا علم لنا بأنهم كانوا يعبدوننا، ونبرأ من ذلك إن كانوا قد عبدونا، وهم إنما كانوا يعبدون في الدنيا الْجِنَّ أي الشياطين، وكان أكثر هؤلاء المشركين يؤمنون بعبادة الشياطين، ويطيعونهم فيما يأمرونهم به، أو ينهونهم عنه.
فقوله - تعالى - بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ إضراب انتقالي، لبيان السبب في شرك هؤلاء المشركين، وتصريح بمن كانوا يعبدونهم في الدنيا.
قال الجمل: فإن قيل جميعهم كانوا متابعين للشياطين، فما وجه قوله - تعالى - أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فإنه يدل على أن بعضهم لم يؤمن بالجن ولم يطعهم؟
فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم، فقالوا أكثرهم، لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعيدون الجن، ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة على حاله من الكفار.