ومعنى {إلا قليلاً} قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة. ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً. {وكنا نحن الوارثين} كقوله {ولله ميراث السماوات والأرض} [آل عمران: 180] لأنه الباقي بعد فناء خلقه. ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟ فقال {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} أي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها {رسولاً يتلو عليهم آياتنا} بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة. قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن. ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا. فبين تعالى بقوله {وما أوتيتم من شيء} الآية. أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم. ونبه على جهلهم بقوله {أفلا تعقلون} ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير. نظير الآية قوله صلى الله عليه وسلم"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"قال البرهان: إنما السورة"وما أوتيتم"الواو وفي الشورى {فما أوتيتم} [الآية: 36] بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق ، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق ، ولأنه عقب ما لهم من