فَرَفَعَ مَعْرُوفًا بِحَرْفِ الصِّفَةِ، وَهُوَ لَا شَكَّ خَبَرٌ لِذَا، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَنْشَدَهُ ذَلِكَ:
لَوْ أَنَّ ذَا مِنْكِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَعْرُوفُ
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
[البحر الرجز]
قُلْتُ أَجِيبِي عَاشِقًا بِحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ
فِيهَا ثَلَاثٌ كَالدُّمَى وَكَاعِبٌ وَمُسْلِفُ
فَمُكَلَّفٌ مِنْ نَعْتِ عَاشِقٍ، وَقَدْ رَفَعَهُ بِحَرْفِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْبَاءُ، فِي أَشْبَاهٍ لِمَا ذَكَرْنَا بِكَثِيرٍ مِنَ الشَّوَاهِدِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} رُفِعَتِ الْخِيَرَةُ بِالصِّفَةِ، وَهِيَ لَهُمْ، إِنْ كَانَتْ خَبَرًا لِمَا، لَمَّا جَاءَتْ بَعْدَ الصِّفَةِ، وَوَقَعَتِ الصُّفَّةُ مَوْقِعَ الْخَبَرِ، فَصَارَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كَانَ عُمَرُ وَأَبُوهُ قَائِمٌ، لَا شَكَّ أَنَّ قَائِمًا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ، وَكَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُتَأَخِّرِ بَعْدَهُ، كَانَ مَنْصُوبًا، فَكَذَلِكَ وَجْهُ رَفْعِ الْخِيَرَةِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِمَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَحْدًا، وَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَيَخْتَارُ مَا يَشَاءُ أَنْ يَخْتَارَهُ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ {وَيَخْتَارُ} نِهَايَةَ الْخَبَرِ عَنِ الْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ، ثُمَّ يَكُونَ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى: لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الْخِيَرَةُ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ الْخِيَرَةُ، وَإِنَّمَا الْخِيَرَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ؟