قرأ ابن كثير ويعقوب (دُرِّيٌّ) بضم الدال غير مهموز (تَوَقَّدَ) بفتح
التاء والواو والقاف والدال .
وقرأ أبو عمرو (دِرِّيءٌ) بكسر الدال والهمز ،
(تَوَقَّدَ) مفتوحة الحروف .
وقرأ نافع وابن عامر وحفص (دُرِّيٌّ) مثل ابن كثير ،
(يُوقَدُ) بالياء وسكون الواو وضم الدال .
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ،
وحمزة (دُرِّيٌ) بضم الدال ممدودة مهموزة ، (تُوقَدُ) بضم التاء وتسكين الواو وضم الدال .
وقرأ الكسائي (دِرِّيءٌ) مثل أبي عمرو (تُوْقَدُ) مثل حمزة .
وروى هارون عن أبي عمرو (تَوَقَّدُ) رفعٌ مثقل .
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (دُرِّيٌّ) بلا همز ، (تَوَقَّد) فهو منسوب إلى الدُّرِّ
لصفائه ، ونصب (تَوَقَّدَ) لأنه فعل ماض . على (تَفَعَّلَ) .
وَمَنْ قَرَأَ (دِرِّيءٌ) بكسر الدال والراء والهمز فإن الدِّرِّيء في كلام العرب كل كوكب براق يدرأُ عليك إذا طلع من الأفق بزُهْرَتِهِ ، وهي (فِعِّيل) من درأ يدرأُ ، وقال الفراء: سمي دُرِّيئًا كأنه رُجم به الشيطان فدفعه .
وقال غيره: إنما سمي دِرِّيئًا لأنه يطلع عليك من مطلعه فُجَاءة ، وهو من قولك: درأ علينا فلان وَطَرأ ، إذا طلع فجأة ، وهو من الدَّراري .
أخبرني المنذري عن أبي الهيثم بذلك قال: وقال نصير: دُروءهُ:
طلوعه ، تقول: دَرَأ علينا .
قال أبو منصور: وهذا القول أحسن من قول الفراء .
وأما قراءة مَنْ قَرَأَ (دُرِّيءٌ) بضم الدال مع الهمز فإن أهل اللغة لا يعرفونه ، وأنكروا القراءة به ، وقالوا: ليس في كلام العرب اسم على (فُعِّيل) . واختلف عن عاصم فيه ،
وروى عن الكسائي عن المفضل الضبيّ عن عاصم أنه قرأ (دِرِّيء) بكسر الدال
(1) قال السمين الحلبي:
قوله: {دُرِّيٌّ} ، قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال وياءٍ بعدها همزةٌ . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياءٍ بعدها همزةٌ . والباقون بضمِّ الدال وتشديد الياءِ من غيرِ همزةٍ ، وهذه الثلاثةُ في السبع ، وقرأ زيد بن علي والضحاكُ وقتادةُ بفتح الدال وتشديد الياء . وقرأ الزهريُّ بكسرِها وتشديد الياء . وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيَّب وأبو رجاء وقتادة أيضًاً"دَرِّيْء"بفتح الدال وتشديدِ الراء وياءٍ بعدها همزةٌ .
فأما الأولى فقراءةٌ واضحةٌ لأنه بناءٌ كثيرٌ يوجد في الأسماء نحو"سِكِّين"وفي الصفاتِ نحوِ"سِكِّير".
وأمَّا القراءةُ الثانية فهي مِنْ الدِّرْءِ بمعنى الدَّفْع أي: يدفع بعضُها بعضاً أو يَدْفعُ ضوءُها خَفاءَها ، قيل: ولم يوجد شيءٌ وزنُه فُعِّيل إلاَّ مُرِّيْقاً للعُصْفُر وسُرِّيَّة على قولنا: إنها من السرور ، وإنه أُبْدل مِن إحدى المضعَّفاتِ ياءٌ ، وأُدْغِمَتْ فيها ياءُ فُعِّيل ، ومُرِّيخاً للذي في داخلِ القَرْنِ اليابس ، ويقال بكسرِ الميمِ أيضًاً ، وعُلِّيَّة ودُرِّيْء في هذه القراءة ، وذُرِّيَّة أيضًاً في قولٍ . وقال بعضهم:"وزن دُرِّيْء في هذه القراءةِ فُعُّول كسُبُّوح قُدُّوْس ، فاستُثْقِل توالي الضمِّ فنُقِل إلى الكسرِ ، وهذا منقولٌ أيضًاً في سُرِّية وذُرِّيَّة ."
وأمَّا القراءة الثالثة فتحتمل وجهين ، أحدُهما: أَنْ يكونَ أصلُها الهمزَ كقراءةِ حمزةَ ، إلاَّ أنه أَبْدَلَ مِنَ الهمزةِ ياءً ، وأَدْغم ، فَيَتَّحدُ معنى القراءتين ، ويُحتمل أَنْ يكونَ نسبةً إلى الدُّر لصفائها وظهورِ إشراقِها .
وأمَّا قراءةُ تشديدِ الياءِ مع فتحِ الدالِ وكسرِها ، فالذي يظهرُ أنه منسوبٌ إلى الدُّر . والفتحُ والكسرُ في الدالِ من بابِ تغييراتِ النَّسَبِ .
وأمَّا فتحُ الدالِ مع المدِّ والهمز ففيها إشكالٌ . قال أبو الفتح:"وهو بناءٌ عزيزٌ لم يُحْفَظْ منه إلاَّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين". قلت: وقد حكى الأخفشُ:"فَعَلَيْه السَّكِّينة والوَقار"و"كوكَبٌ دَرِّيْءٌ"مِنْ"دَرَاْتُه".
قولِه: {يُوقَدُ} قرأ ابنُ كثير وأبو عمرٍو"تَوَقَّدَ"بزنة تَفَعَّلَ فعلاً ماضياً فيه ضميرُ فاعِله يعودُ على المصباح ، ولا يعودُ على"كوكب"لفسادِ المعنى . والأخوان وأبو بكر"تُوْقَدُ"بضم التاءِ مِنْ فوقُ وفتح القافِ ، مضارعَ أَوْقَدَ . وهو مبنيٌّ للمفعولِ . والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرٌ يعودُ على"زجاجة"فاسْتَتَرَ في الفعل . وباقي السبعةِ كذلك إلاَّ أنَّه بالياءِ من تحتُ .
والضميرُ المستترُ يعودُ على المصباح .
وقرأ الحسن والسلمي وابن محيصن ، ورُوِيَتْ عن عاصم من طريقِ المفضِّلِ كذلك ، إلاَّ أنَّه ضَمَّ الدال ، جعله مضارع"تَوَقَّدَ"، والأصلُ: تَتَوَقَّد بتاءَيْن ، فحُذِفَ إحداهما ك"تَذَكَّرُ". والضميرُ أيضًاً للزُّجاجة .
وقرأ عبد الله"وَقَّدَ"فعلاً ماضياً بزنةِ قَتَّلَ مشدداً ، أي: المصباح . وقرأ الحسنُ وسَلاَّم أيضًاً"يَوَقَّدُ"بالياء مِنْ تحتُ ، وضَمِّ الدال ، مضارعَ تَوَقَّدَ . والأصلُ يَتَوَقَّدُ بياءٍ من تحتُ ، وتاءٍ مِنْ فوقُ ، فَحُذِفَتْ التاءُ مِنْ فوقُ . هذا شاذٌ إذ لم يتوالَ مِثْلان ، ولم يَبْقَ في اللفظِ ما يَدُلُّ على المحذوف ، بخلافِ"تَنَزَّلُ"و"تَذَكَّرُ"وبابِه؛ فإنَّ فيه تاءَيْن ، والباقي يَدُلُّ على ما فُقِد .
وقد يُتَمَحَّلُ لصحتِه وجهٌ من القياس وهو: أنهم قد حَمَلوا أَعِدُ وتَعِدُ ونَعِدُ على يَعِدُ في حَذْفٍ الواوِ لوقوعِها بين ياءٍ وكسرةٍ فكذلك حَمَلوا يَتَوَقَّد بالياء والتاء على تَتَوَقَّد بتاءين ، وإنْ لم يكنْ الاستثقالُ موجوداً في الياء والتاء. اهـ (الدر المصون) .