وعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيما يرويه عن ربه عز وجل، أنه قال:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا"الحديث. أخرجه مسلم، ويقال من كثر ظلمه، واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه، وشر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم. وفي الآية إشارة؛ إلى أن العبيد ظلّامون لأنفسهم، كما قال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بأن يضعوا العبادة، والطلب والاستغاثة في غير موضعها.
فصل في مبحث الجدال
واعلم: أن جدال المنافق، والمرائي وأهل الأهواء والبدع والخرافات مذموم. وأما من يجادل في معرفة الله، ودفع الشبه، وبيان الطريق إلى الله تعالى، بالعلم، وهدي نبيّه - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهد نصّ كتابٍ منيرٍ، يظهر بنوره الحق من الباطل .. فجداله محمود.
قال بعضهم: البحث والتفتيش عما جاءت به السنة، بعدما وضح سنده، وصحّ، يجر الباحث إلى التّعمّق والتوغل في الدين، فإنه مفتاح الضلال لكثير من الأمة، يعني الذين لم يرزقوا بأذهان وقَّادة وقرائح نقادة، وما هلكت الأمم الماضية إلا بطول الجدال، وكثرة القيل والقال، فالواجب أن يعض بأضراسه على ما ثبت من السنة. ويعمل بها، ويدعو إليها، ويحكم بها، ولا يصغي إلى كلام أهل البدعة، ولا يميل إليهم ولا إلى سماع كلامهم، فإنَّ كل ذلك منهي عنه شرعًا. وقد ورد فيه وعيد شديد، وقالوا: الطبع جذاب، والمقارنة مؤثرة، والأمراض سارية.