5 - {وَأَنَّ اللَّهَ} سبحانه {يَبْعَثُ} ويجمع بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف {مَنْ فِي الْقُبُورِ} من الموتى للمجازاة، جمع قبر وهو مقر الميت،"والبعث": هو أن ينشر الله الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها، وأنكره الفلاسفة، بناء على امتناع إعادة المعدوم.
أي: ولتوقنوا بأن الله حينئذٍ، يبعث من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب.
وخلاصة ذلك: أنكم إذا تأملتم في خلق الحيوان، والنبات، أمكنكم أن تستدلوا بذلك على وجود الخالق، وقدرته على إحياء الموتى وعلى غيرها من الممكنات، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأنه يبعث من في القبور للحساب والجزاء، ولولا ذلك، ما أوجد هذا العالم؛ لأن أفعاله تعالى مبنية على الحكم الباهرة، والغايات السامية.
وعبارة أبي السعود: أي هذه الآثار من آثار الألوهية، وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية، وإن إتيان الساعة وإتيان البعث اللذين ينكرون وجودهما، من أسباب تلك الآثار العجيبة، التي يشاهدونها في الأنفس والآفاق؛ أي: ذلك الصنيع البديع حاصل بسبب أنه تعالى، هو الحق وحده، في ذاته وصفاته وأفعاله، المحقق والموجد لما سواه من الأشياء، فهذه الآثار الخاصة، من فروع القدرة العامة، التامة ومسبباتها، ومن جملة فروعها ومتعلقاتها إحياء الموتى، وتخصيصه بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها، تصريحٌ بمحل النزاع، وتقديمه للاعتناء به، اهـ. بتصرف.
8 - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ} هو أبو جهل أو النضر بن الحارث {يُجَادِلُ} ويخاصم وينازع {فِي اللَّهِ} ؛ أي: في شأنه ودينه وكتابه ونبيّه، حالة كون ذلك المجادل ملابسًا {بِغَيْرِ عِلْمٍ} ضروري أو بديهي فطري، وهذا تكرير لما تقدم للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة بقوله: {وَلَا هُدًى} ؛ أي: ولا استدلال ونظر صحيح هاد إلى المعرفة {وَلَا كِتَابٍ} من الله {مُنِيرٍ} ؛ أي: له نور، ولا وحي مظهر للحق.
والمعنى: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، والإقرار بالألوهية بغير علم منه بما يخاصم به، ولا برهان معه على ما يقول، ولا وحي من الله أتاه ينير حجته، بل يقول ما يقول من الجهل، ظنًا منه وتخرصاً.