وقرئ {يُتَوَفَّى} بفتح الياء مبنيًا للفاعل؛ أي: يستوفي أجله، والجمهور بالضم مبنيًا للمفعول؛ أي: بعد الأشد وقبل الهرم، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ} ويرجع {إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} ؛ أي: يبقى ويعمر إلى بلوغه أرذل العمر، وأخس الحياة وأدناها وأردأها، وهو الهرم والخرف والرذل والرذال المرغوب عنه لردائته، والعمر مدة عمارة البدن بالحياة، فيصير إلى حالة الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل، ولا زمان لذلك محدود، بل ذلك بحسب ما يقع في الناس، وقد نرى من علت سنه وقارب المائة أو بلغها في غاية جودة الذهن والإدراك مع قوة ونشاط، وترى من هو في سن الاكتهال وقد ضعفت بنيته، أوضح تعالى أنه قادر على إنهائه إلى حالة الخرف، كما أنه كان قادرًا على تدريجه إلى حالة التمام، فكذلك هو قادر على إعادة الأجساد التي درجها في هذه المناقل، وإنشائها النشأة الثانية.
وقوله: {لِكَيْلَا} متعلق بـ {يُرَدُّ} ؛ أي: لكيلا {يَعْلَمَ} ويعقل ذلك المردود إلى أرذل العمر {من بعد علمه} وفهمه وعقله الأشياء، أو من بعد علمه الكثير {شَيْئًا} من الأشياء، أو شيئًا من العلم، والمعنى: أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء، وفهم لها، لا علم له ولا فهم، وهو مبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله، وإلا فهو يعلم بعض الأشياء كالطفل، فهذا الرد خاص، بغير قارئ القرآن والعلماء، أما قارئ القرآن والعلماء، فلا يردون في آخر عمرهم إلى الأرذل، بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم، اهـ شيخنا؛ أي: ليعود إلى ما كان عليه أوان الطفولية من ضعف البنية، وسخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما عمله، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. وقال الزمخشري؛ أي: ليصير نسّاء، بحيث إذا كسب علمًا في شيء، لم ينشب أن ينساه ويزلَّ عنه علمه، حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك من هذا، فتقول فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه، اهـ. وروي عن أبي عمرو ونافع تسكين ميم العمر.
والمعنى: أي ومنكم من يتوفى على كمال قوته وكمال عقله، ومنكم من يبقى حتى يبلغ الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفولته، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم.