وفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة:
الأول: هو ما ذكرنا آنفاً أنا أوضحنا الجواب عنه سابقاً ، وهو: أن المعروف في علم العربية ، أن النفي إذا دخل على صيغة المبالغة ، لم يقتض نفي أصل الفعل.
فلو قلت: ليس زيد بظلام للناس ، فمعناه المعروف: أنه غير مبالغ في الظلم ، ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم منه. وقد قدما إيضاح هذا.
والسؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} وكفره الذي هو أعظم ذنوبه ، ليس من فعل اليد ، وإنما هو من فعل القلب واللسان ، وإن كان بعض أنواع البطش باليد ، يدل على الكفر ، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد. وزناه لم يفعله بيده ، بل بفرجه ، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد.
والجواب عن هذا ظاهر: وهو أن من أساليب اللغة العربية ، التي نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد ، نظراً إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال فغلبت على غيرها ، ولا إشكال في ذلك.
والسؤال الثالث: هو أن يقال: ما وجه إشارة البعد في قوله {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر؟.
والجواب عن هذا: أن من أساليب اللغة العربية: وضع إشارة البعد موضع إشارة القرب. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا: [دفع إيهام الاضطراب. عن آيات الكتاب] في الكلام على قوله تعالى في أول سورة البقرة: {الم ذَلِكَ الكتاب} [البقرة: 1 - 2] الآية: أي هذا الكتاب.
ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها... فعمداً على عيني تيممت مالكا
أقول له والرمح يأطر متنه... تأمل خفافاً إنني أنا ذلكما