وَرُبَّمَا أَثْبَتُوا الْهَاءَ فِي الْحَالَتَيْنِ , وَرُبَّمَا أَسْقَطُوهُمَا فِيهِمَا , غَيْرَ أَنَّ الْفَصِيحَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا وَصَفْتُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: يَوْمَ تَرَوْنَ أَيُّهَا النَّاسُ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ، تَنْسَى وَتَتْرُكَ كُلُّ وَالِدَةِ مَوْلُودٍ تُرْضِعُ وَلَدَهَا عَمَّا أَرْضَعَتْ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «تَتْرُكُ وَلَدَهَا لِلْكَرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهَا»
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ:"ذَهَلَتْ عَنْ أَوْلَادِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ."
{وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} قَالَ: أَلْقَتِ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا لِغَيْرِ تَمَامٍ""
{وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}
يَقُولُ: وَتُسْقِطُ كُلُّ حَامِلٍ مِنْ شِدَّةِ كَرْبِ ذَلِكَ حَمْلَهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} قَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ لِلْوَاحِدِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: «وَتُرِي النَّاسَ» بِضَمِّ التَّاءِ وَنَصْبِ النَّاسِ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أُرِيتَ تُرِي، الَّتِي تَطْلُبُ الِاسْمَ وَالْفِعْلَ، كَظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلِيهِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: { «سُكَارَى» } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ , وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: { «سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» } وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى)
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَتَرَى النَّاسَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الْكَرْبِ وَشِدَّتِهِ سُكَارَى مِنَ الْفَزَعِ , وَمَا هُمْ بِسُكَارَى مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ.
{وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّهُمْ صَارُوا سُكَارَى مِنْ خَوْفِ عَذَابِ اللَّهِ عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا عَايَنُوا مِنْ كَرِبِ ذَلِكَ , وَعَظِيمِ هَوْلِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِشِدَّةِ عَذَابِ اللَّهِ.