فهذه العملية ، عملية « الخلق » ، هي مما استأثر اللّه سبحانه وتعالى به ، ليس لأحد من مخلوقاته أن يكون له معه شركة فيه .. وفى هذا يقول اللّه تعالى:
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » (54: الأعراف) .. هكذا على سبيل القصر ..
فللّه وجه - بلا مشاركة - « الْخَلْقُ » وهو الإيجاد ، والتصوير ، وبعث الحياة فِي الموجودات والمصوّرات .. « وَالْأَمْرُ » وهو التقدير ، لخلق ما يخلق وتصوير ما يصور .. « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » .
هذا ، وتتطلع الإنسانية دائما إلى كشف هذا السرّ - سرّ الحياة - ويحاول العلماء والباحثون أن يصلوا إلى تلك الحقيقة ، وأن يضبطوا قوانينها ، وأن يضعوا أيديهم عليها ، حتى يكون لهم أن يخلقوا ما يشاءون من مخلوقات ، وأن يتحكموا فيما يخلقون .. من إناث أو ذكور ، على اختلاف الألوان والصور!.
وقد أجرى كثير من العلماء تجارب عديدة فِي هذا المجال ، وزرعوا واستنبتوا فِي مخابرهم خمائر للحياة .. ولكن ذلك كلّه لم يصل بهم إلى شيء مما أرادوا ، وكلّ ما أمسكوا به فِي أيديهم ، هو صور باهتة ، إن دلّت على شيء ، فإنما تدلّ على تأكيد هذه الحقيقة ، وهي أن « الخلق » للّه وحده ، وأن غاية العلم ، لا تتجاوز أبدا أكثر من هذه الوقفة على شاطئ الحياة ، بعيدا عن لمس بحرها العميق ..
إن كلّ ما يجريه العلماء من بحوث ، وما يضعونه من موادّ فِي مخابيرهم وأنابيبهم ، هو من عناصر الحياة نفسها ، التي خلقها الخالق جلّ وعلا .. وأن هذه الأطياف من الحياة التي تطلّ على العلماء من مخابيرهم وأنابيبهم ، إنما هي من بذور الحياة التي أوجدها الخالق ، وقدّر لها سبلا تسلكها ، لتثمر ثمر الحياة ، فغيّر العلماء سبيلها ، وعدلوا بها عن طريقها المرسوم ، الذي خطّته لها القدرة الإلهية ..!