وفى قوله تعالى: « وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » ..
عرض لصورة من صور الإحياء ، والبعث ، يراها أولو الأبصار ، حالا بعد حال ، فيما يسفر عنه وجه الأرض ، من حياة متجددة عليها ، ومن أثواب تلبسها ، وحلى تتحلى بها ، بعد أن كانت أرضا مواتا ، لا معلم من معالم الحياة فيها ..
فهذه الأرض الجديب القفر ، يأخذها الإنسان بنظره اليوم ، فإذا هي - كما يرى - موات فِي موات ، وصمت موحش رهيب ، كصمت القبور .. ثم إذا أصابها الماء ، وغاثها الغيث ، « اهْتَزَّتْ » هزّة الحياة ، ونبضت عروقها ، وسرت الروح فِي أوصالها .. « وَرَبَتْ » ونمت كما ينمو الطفل .. « وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » فإذا كرّ الناظر إليها بصره كرّة أخرى ، رأى هذا الموات قد أصبح حياة مزهرة مثمرة ، تملأ العين بهجة ومسرّة.
فماذا إذن ينكره المنكرون من بعث الموتى؟ وهل هذه القبور وما ضمّت عليه من جثث وأشلاء ورفات ، تتراءى فيها صور الآدميين الذين عمروها - هل هذه القبور أبعد من بعث الحياة فيها ، وإخراج خبئها - من الأرض الجديب الميتة ، التي أحياها اللّه ، فاهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج؟ ذلك ما لا يقبله عقل ، ولا يرضاه منطق!.
تلك هي « قضية البعث » .. وهذه هي حيثياتها ، يجدها الإنسان فِي نفسه هو ، من مولده إلى مماته .. فإن أعياه النظر إلى نفسه ، وجدها فِي الأرض التي يمشى عليها .. فإن عمى عن هذا وذاك ، فهيهات أن يرى وجه الحقّ أبدا.
فإن ذلك العمى من عمى القلب ، الذي ليس لمصاب به شفاء ، واللّه سبحانه وتعالى يقول: « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » (46: الحج) ..
وهنا نحبّ أن نقف وقفة مع عملية « الخلق » وبعث الحياة فِي المخلوقات.