العاطفة كالأم التي تذهَلُ عن ولدها ، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة الولد ، ففي مرحلة الحمل مثلاً تجد الأم تحتاط في مشيتها ، وفي حركاتها ، خوفاً على الجنين في بطنها ، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم للحفاظ على الوليد ، وإلاَّ تعرض لما يؤذيه أو يُودِي بحياته .
لذلك ، لما سألوا المرأة العربية عن أحب أبنائها ، قالت: الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يعود ، والمريض حتى يُشْفَى ، فحسب الحاجة يعطي الله العاطفة ، فالحامل عاطفتها نحو ولدها قوية ، وهي كذلك في مرحلة الرضاعة .
فانظر إلى المرضعة ، وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه ، وأيُّ هول هذا الذي يشغلها ، ويُعطِّل عندها عاطفة الأمومة والحنان ويُعطِّل حتى الغريزة .
وقد أعطانا القرآن صورة أخرى في قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ} [عبس: 34 - 36] .
ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يذكر هنا الأخ قبل الأب والأم ، قالوا: لأن الوالدين قد يُوجدان في وقت لا يرى أنهما في حاجة إليه ، ولا هو في حاجة إليهما لأنه كبر ، أمَّا الأخ ففيه طمع المعونة والمساعدة .
وقوله تعالى: {كُلُّ مُرْضِعَةٍ . .} [الحج: 2]
والمرضعة تأتي بفتح الضاد وكَسْرها: مُرضَعة بالفتح هي التي من شأنها أن ترضع وصالحة لهذه العملية ، أما مُرضِعة بالكسر فهي التي تُرضع فعلاً ، وتضع الآن ثديها في فَم ولدها ، فهي مرضِعة فانظر - إذن - إلى مدى الذهول والانشغال في مثل هذه الحالة .