وقوله تعالى: {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا . .} [الحج: 2] بعد أنْ تكلَّم عن المرضع رقَّى المسألة إلى الحامل ، ومعلوم أن الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني ، فالرحم بمجرد أنْ تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها ، كما قال سبحانه وتعالى: {وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى . .} [الحج: 5] .
فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله ، فهذه - إذن - مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها . إذن: وَضْع هذا الحمل دليل هَوْل كبير وأمر عظيم يحدث .
والحَمْل نوعان: ثقَل تحمله وهو غيرك ، وثقل تحمله في ذاتك ، ومنه قوله تعالى: {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً} [طه: 101] والحِمْل (بكسر الحاء) : هو الشيء الثقيل الذي لا يُطيقه ظهرك ، أمّا الحَمْل بالفتح فهو: الشيء اليسير تحمله في نفسك . وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
لَيْسَ بِحِمْلٍ مَا أطَاقَ الظَّهْرُ ... مَا الحِمْلُ إلاَّ مَا وَعَاهُ الصَّدْر
أي: أن الشيء الذي تطيق حَمْله ويَقْوى عليه ظهرك ليس بحمل ، إنما الحمل هو الهمّ الذي يحتويه الصدر .
ثم يقول سبحانه: {وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ} [الحج: 2] سكارى: أي يتمايلون مضطربين ، مثل السكارى حين تلعب بهم الخمر ، (وتطوحهم) يميناً وشمالاً ، وتُلقِي بهم على الأرض ، وكلما زاد سُكْرهم وخروجهم عن طبيعتهم كان النوع شديداً!!
وهكذا سيكون الحال في موقف القيامة لا من سُكْرِ ولكن من خوف وهَوْل وفزع {وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ} [الحج: 2] .
لكن ، من أين يأتي اضطراب الحركة هذا؟