يقول الله تعالى مستنكرا جدل المجادلين في الحق والدين، ومحذرا لهم من تقليد الشياطين، ومتابعتهم على الضلال المبين: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ، فمن"لا علم عنده"لا حق له في ان يجادل ويناظر، والآية عامة في كل من تعاطى المناظرة والجدال دون حجة ولا برهان، واستوحى زخرف القول من وحي الشيطان، و"الشيطان المريد"بمعنى المتمرد المصر على الشر، المتمسك بالباطل.
وليقطع كتاب الله ألسنة المجادلين المبطلين، ويخنق أنفاسهم، ويبطل شبههم، انتزع من حياة الإنسان، التي ينتقل بين أطوارها كل لحظة، ومن حياة النبات، التي يشاهد تحولها كل موسم، دليلين اثنين على قدرته المطلقة، الصالحة في كل آن لكل إنشاء واختراع، والمتمكنة دائما من خرق العوائد وقلب الأوضاع، والتي يعد بعث الإنسان بعد موته، وإنشاؤه نشأة ثانية، أهون الأشياء عليها وأيسرها جميعا، فقال تعالى تعبيرا عن الدليل الأول المنتزع من حياة الإنسان، رفعا لشك الشاكين واحتجاجا عليهم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ
نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا فمن تفكر في حياته وتدبر، أدرك بفطرته السليمة أن بعث الإنسان ونشأته الثانية أسهل وأيسر، وإن كان الكل في قدرة الله على السواء، إذ لا فرق بين إبداع وإبداع، وإنشاء وإنشاء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . وهذا أول دليل يسقط به جدل المجادلين، الذين يجادلون في قدرة الله على بعث الخليقة وحشرها يوم الدين.