وقال الأخفش: لم يقل ذلك ، لأن فعله على أكثر من ثلاثة . والأصل فيه"اعماي . ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه . لا بد من:"أشد"و"أبين"ونحوه . لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة . فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب."
وقيل: إنما لم يقل:"ما أعماه"من عمى العين ، ليفرق ما بينه وبين"ما أعماه"من
عمى القلب . وكذلك لم يقولوا: ما أسوده . من اللون ، للفرق بينه وبين ما اسوده من السؤدد ، ثم اتبع سائر الباب على ذلك ، لئلا يختلف.
وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه ، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و [ما] أعشاه من عمى العين ، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي.
وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام . فهو في الآخرة أشد عمى عن الرشد ، وما يكسبه رضى ربه [عز وجل] والوصول إلى جنته [تبارك وتعالى] .
وقيل المعن: / من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك ، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلاً . لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم ، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى أيضاً ،
وأضل سبيلاً.
وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى . وكذلك قال: مجاهد.
وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [عز وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [عز وجل] وعجائبه وما أراه الله [عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال [والنجوم] ، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى وأضل سبيلاً . وهو قول ابن زيد.
ومعنى: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} وأضل طريقاً منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورءاها.