وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله ، يدعون بنبيهم ، فيقال: أين أمة محمد ؟ وبكتابهم ، فيقال: أين أمة القرآن ؟ وبعملهم ، فيقال: أين أصحاب الورع ؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون ؟ وأين أصحاب الربا ؟ وفي هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين.
وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلاً ، ويتناول كتابه بالسهولة ، وأن المشرك يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله .
قال [تعالى] : {وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى} .
أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب . وعلله أبو عمرو في إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى القلب للفرق.
وكان عمى القلب بالفتح أولى ، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسط [ة] إذ تقديره: أعمى: منه في الدنيا.
وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا افعل منك لأن منك من تمامه ، وهو مذهب الكوفيين ، فلما كانت منك
من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه ، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] منك من الصرف لذلك.
ويدل على أن الثاني من عمى القلب . أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب.
ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول.
قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه ، من عمى العين ، لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل ، فكما لا يقال: ما إيداه ، لا يقال: ما أعماه.