أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَدِم المدينة، حسدته اليهود على مُقامه بالمدينة، وكرهوا قربه، فأتَوه، فقالوا: يا محمد أنبيٌ أنت؟ قال: نعم، قالوا: فوالله لقد علمتَ ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، فإن كنتَ نبياً فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير: همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية.
وقال عبد الرحمن بن غَنْم: لمّا قالت له اليهود هذا: صدَّق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إِلا الشام، فلما بلغ تبوكَ، نزلت هذه الآية.
والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هَمُّوا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إِخباراً عما هَمُّوا به، قاله الحسن، ومجاهد.
وقال قتادة: هم أهل مكة باخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نُوظِروا، ولكنَّ الله كفَّهم عن إِخراجه حتى أمره بالخروج.
وقيل: ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر.
فعلى القول الأول، المشار إِليهم: اليهود، والأرض: المدينة.
وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة.
وقد ذكرنا معنى"الاستفزاز"آنفاً [الإسراء: 64] ، وقيل: المراد به هاهنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلِّها؛ روي عن الحسن.
قوله تعالى: {وإِذاً لا يَلْبَثون خَلفك} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم:"خلفك".
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم:"خلافك".
قال الأخفش"خلافك"في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك {إِلا قليلاً} أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما همُّوا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير.
وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يَلْبَثون على خِلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض.
وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل:"خُلاَّفُكَ"بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 5 صـ}