فرجع معنى العقل إلى متابعة الشرع، فالعاقل من عَقَله عَقْلُه بعُقال الشرع، وعن تعدي حدود الشرع ومتابعة هوى نفسه.
وكلما كان الإنسان متابعاً للشرع كان أمكن في العقل بدليل قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة الملك: 10] .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ما كنا في أصحاب السعير.
وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه قال:"لِكُلِّ شَيءٍ دِعامَةٌ، وَدِعامَةُ عَمَلِ العَبْدِ عَقْلُهُ، فَبِقَدرِ عَقْلِهِ تَكُوْنُ عِبادتُهُ، أَما سَمِعتُم قَولَ الفاجِرِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة الملك: 10] ؟".
قلت: وفيه إشارة إلى أن العمل المعتدَّ به ما كان عن عقل عاقل ونُهية كاملة.
وقد توجد صورة العمل في عبد ولا يكون في العبد بذاك، وأكثر ما يكون رؤية النفس في العمل والمن به، والكبر والخيلاء، والبغي والطغيان في الأعمال الصورية التي لا روحانية لها.
ومثل هذه الأخلاق إنما تنشأ عن قلة العقل والجهل بمقدار النفس.
ومن ثم قال معاوية بن قُرة رحمه الله تعالى: إن القوم يحجون ويعتمرون، ويجاهدون، ويصلون، ويصومون، ولا يعقلون، ولا يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم.
وقال أبو زكريا رحمه الله تعالى: إن الرجل يتلذذ في الجنة بقدر عقله. رواهما ابن أبي الدنيا، وابن الجوزي في"الأذكياء".
وروى أبو القاسم البغوي عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"جَدَّ الملائِكَةُ واجْتهدُوا في طاعَةِ اللهِ بِالعَقلِ، وَجَدَّ المؤْمِنُونَ مِنْ بَني آدَمَ عَلى قَدرِ عُقُولهِم؛ فَأَعْمَلُهُمْ بِطاعَتِهِ أَوْفَرُهُم عَقْلاً".
وروى الحكيم الترمذي، وابن أبي الدنيا، والخطيب عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! بأي شيء يتفاضل الناس في الدنيا؟
قال:"بِالعَقْلِ".
قلت: وفي الآخرة؟
قال:"بِالعَقْلِ".
قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟