{وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] لعلمهم بجماله وجلاله والرجاء والخوف جناحاً من يطير إلى حضرة القدس وروضة الإنس ومن عطل أحدهما تعطل عن الطيران {واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} إلى قوله سبحانه {وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً} [الإسراء: 64 ، 65] فيه إشارة إلى اختلاف مراتب تمكن الشيطان من إغواء بني آدم فمن كان منهم ضعيف الاستعداد استفزه واستخفه بصوته فأغواه بوسوسة وهمس بل هاجسة ولمة ، ومن كان قوي الاستعداد فإن كان خالصاً عن شوائب الغيرية أو عن شوائب الصفات النفسانية لم يتمكن من إغوائه وهذا هو المراد بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان} [الإسراء: 65] وإن لم يكن خالصاً فإن كان منغمساً في الشواغل الحسية منهمكاً في الأمور الدنيوية شاركه في أمواله وأولاده وحرضه على إشاركهم بالله تعالى في المحبة وسول له التمتع والتكاثر والتفاخر بهم ومناه الأماني الكاذبة وزين له الآمال الفارغة ، وإن لم ينغمس فإن كان عالماً بتسويلاته أجلب عليه بخيله ورجله أي مكر بأنواع الحيل وكاده بصنوف الفتن وأفتاه بأن تحصيل أنواع الحطام والملاذ من جملة مصالح المعاش وغره بعلمه وحمله على الإعجاب به وأمثال ذلك حتى أضله على علم علم ، وإن لم يكن عالماً بل كان عابداً متناسكاً أغواه بالوعد وغره برؤية الطاعة وتزكية النفس {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ} [الإسراء: 70] الآية قيل كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على صورة الرحمن وجعل لهم ذلك بحكم الوراثة وأن الولد سر أبيه وفضلهم على الكثير بأن جعل لهم من النعم ما يستغرق العد وجوز أن يقال: تكريمهم بأن بسط موائد الأنعام لهم وجعل من عداهم طفيلياً ، وتفضيلهم بما ذكر في التكريم أولاً وفيه احتمالات أخر {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم} أي نناديهم بنسبتهم إلى من كانوا يقتدون به في الدنيا لأنه المستعلي