{وَإِذَا قُلْنَا للملائكة اسجدوا} [الإسراء: 61] الخ وهو لبيان كرامة بيهم وما توسطوا بينهما من الآيات كالاستطراد والاعتراض إلى آخر ما قاله ، ويعلم منه دفع التكرار وإن لم يسقه لذلك الغرض ، وفيه تخصيص التكريم ، وكذا فيما قيل إن التكريم بالنعم التي يصح بها التكليف والتفضيل بالتكليف الذي عرضهم به للمنازلة الرفيعة ، والمراد بالكثير من عدا الملائكة عليهم السلام عند الكثير ومنهم الزمخشري وزعم أن الآية صريحة في تفضيل الملك على البشر وشنع على أهل السنة تشنيعاً أقذع فيه.
والحق أنها لا تصلح للاحتجاج على التفضيل المتنازع فيه ، ففي"الكشف"أن الظاهر من سياق الآية أنه حث للإنسان على الشكر وعلى أن لا يشرك به تعالى حيث ذكر ما في البر والبحر من حسن كلاءته سبحانه له وضمن فيه أنه جلا وعلا هداهم إلى الفلك وصنعته وما يترتب عليه من الفوائد في قوله سبحانه: {رَبَّكُمُ الذي يُزْجِى لَكُمُ الفلك} [الإسراء: 66] الآيات فقال عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ} أي هذا النوع من بين سائر الأنواع باصطناعات خصصناهم بها فذكر تعالى منها حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وتفضيلهم على كثير من المخلوقات وهذا التفضيل لا يراد منه عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله تعالى وهو المتنازع فيه لأن الحكم للنوع من حيث هو وذكر الله تعالى لذلك موجبات تعم الصالح والطالح فسواء دخل في هذا الكثير الملائكة أو لم يدخل لم يدل على الأفضلية بالمعنى المذكور فلا يصلح لاحتجاج إحدى الطائفتين اهـ.
ثم إن على فرض أن التفضيل بالمعنى اللمتنازع فيه لا تدل الآية على أن الملك أفضل من البشر إلا بطريق المفهوم وفي حجيته خلاف ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يقول به على أنه يدل على أنهم فضلوا على الكثير ولم يفضلوا على مقابله وهو يحتمل المساواة وتفضيل المقابلة فليس نصاً في مذهب الزمخشري.