قال في «بحر العلوم» : هذه الأوامر المذكورة كلّها واردة على طريق التهديد كقوله للعصاة: اعملوا ما شئتم، وقيل: على سبيل الخذلان والتخلية اهـ. {وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا} ؛ أي: إلا باطلًا؛ أي: وما يخبرهم من الأماني الكاذبة، إلّا خبرا باطلًا عاطلًا، لأنه لا يغني عنهم من عقاب الله شيئًا إذا نزل بهم، فمواعيده خدعة. يزينها لهم، ويلبّسها ثوب الحق كما قال إبليس إذ حصحص الحقّ يوم يقضي ربّك بالحق: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} .
65 -وهذه الجملة اعتراض واقع بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان {إِنَّ عِبادِي} الذين أطاعوني، فاتّبعوا أمري، وعصوك {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: على إغوائهم وإضلالهم {سُلْطانٌ} أي: تسلّطٌ وقدرةٌ، فلا تقدر أن تغويهم، وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني قد وفقتهم بالتوكّل عليّ فكفيتهم أمرك، والإضافة في قوله: عبادي للتشريف، وفيه تعريضٌ بأنّ من تبعه ليس منهم. {وَكَفى بِرَبِّكَ} ؛ أي: مالك أمرك ومغويك وخاذلك يا إبليس من جهة كونه: {وَكِيلًا} أي: حافظًا لهم، فهم يتوكلون عليه، ويستمدون منه العون في الخلاص من إغوائك ووسوستك، وفي الآية إيماءٌ إلى أنّ الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال؛ لأنه لو كان الإقدام على الحق والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه .. لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك، بل قال: وكفى بربك وكيلًا .. علمنا أنّ الكلّ من الله تعالى، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوّة على طاعة الله إلّا بقوته. اهـ كرخي.