{وربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم بمن في السماوات والأرض} فعلمه غير مقصور عليكم بل متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ، ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسماوات ، فيعلم تعالى حال كل أحد ، ويعلم ما يليق به من المفاسد والمصالح ، ويعلم اختلاف صورهم وأديانهم وأخلاقهم وأحوالهم وجميع ما هم عليه سبحانه وتعالى ، لا تخفى عليه خافية ، فيفضل بعض الناس على بعض على حسب إحاطة علمه وشمول قدرته ، وبعض النبيين على بعض كما قال تعالى: {ولقد فضلنا} بما لنا من العظمة {بعض النبيين} سواء كانوا رسلاً أم لا {على بعض} بعد أن جعلنا لكل فضلاً لتقوى كل منهم وإحسانه ، فخصصنا كلاً منهم بفضيلة كموسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء ، فلا ينكر أحد من العرب ، أو بني إسرائيل أو غيرهم ، تفضيلنا لهذا النبي الكريم ، الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق ، فإذا نفعل ما نشاء بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل. وقرأ نافع بالهمزة والباقون بالياء ، وورش على أصله يمد على الهمزة ويوسط ويقصر. {وآتينا} موسى التوراة و {داود زبوراً} وعيسى الإنجيل ، فلم يبعد أيضاً أن نؤتي محمداً صلى الله عليه وسلم القرآن ، ولم يبعد أن نفضله على جميع الخلق. فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود عليه السلام بالذكر هنا ؟
أجيب: بأوجه الأول أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض ، ثم قال: {وآتينا داود زبوراً} يعني أنّ داود أوتي ملكاً عظيماً ، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك ، وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيهاً على أنّ الفضل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال. الثاني: أنه تعالى كتب في الزبور أنّ محمداً خاتم الأنبياء ، وأنّ أمّة محمد خير الأمم قال تعالى: {ولقدكتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء ،)
وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته.m