قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ...(60) . هذه - والله أعلم - مصداق
قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله اطلع على أهل الأَرض، فمقتهم"، ثم نظم بذلك قوله
-عز وجل -: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)
"الرؤيا"هي: الإسراء، و"الشجرة الملعونة"هي: إبليس، ولم يلعن الله
شجرة في القرآن، وإنما لعن إبليس وهو شجرة؛ لما تفرع منه من نسله وضروب الكفر
وفعال الخبائث، وأن جهنم وما فيها ليس بملعون، وما المعلون إلا من جعل فيها على
وجه الجزاء لعملٍ منهي عنه - نعوذ بالله من ذلك - وهذا خطاب تعزية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عمَّا كان يهمه، وييئسه من تخلفهم عن الاستجابة لله جلَّ ذكره - ولكتابه.
قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ...(61) . أي: اسجدوا له اقتداءً به
في سجوده لله وحده (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا(61) .
(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
إِلَّا قَلِيلًا (62) ."الاحتناك": الاحتواء على الشيء والاستئصال له.
وأمَّا قوله: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ) المعنى إلى آخره،
فقال الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) أصوات
الملاهي والمعاصي؛ إذ هي برضاه ومحبته وتزيينه ووسوسته(وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ
بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)هي كل خيل ورِجْل ليست في طاعة الله، ولا في
طلب مرضاته، أو للشر والبغي على الناس، وعن الحلال بالحرام، بل [هي] من
حزب الشيطان.
ومشاركته في الأموال والأولاد هو تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله
لأجل شهواتهم، ولشركائهم المتخذة من دون الله، ومشاركته في الأولاد؛ وهو الزنا