وفيه من المبالغة ما لا يخفى؛ فإنه يدل على أن أمرهم صار أمرًا متعارفاً فيهم بحيث لا يحيدون عن طريقه، ولا يأخذون في أمر يخالفه.
ومن هذا القبيل عصيان الأمر، ولذلك جمع بينهما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) } [سورة طه: 90 - 93] .
فوقع عصيان الأمر في كلام موسى عليه السلام كما وقعت طاعة الأمر في كلام أخيه عليهما السلام، وهو أبلغ من طاعة الآمر وعصيان الْمَعْصِيِّ.
وأيضا في النهي عن طاعة أمر المسرفين النهي عن التشبه بهم في أمرهم - وإن غابوا أو هلكوا - فإنه مذموم مطلقًا، سواء كان الحامل عليه رجاؤهم إياهم وخوفهم منهم، أو استحسان أمرهم وموافقتهم في رأيهم.
وقد أخبر الله - عز وجل - في كتابه بأن هلاك كل قرية كان من مكر أكابرهم، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) } [سورة الأنعام: 123] .
وإنما خصص الأكابر لأنه أقوى على استتباع الناس والمكر بهم، والناس يتبعونهم ما لا يتبعون غيرهم؛ إما رغبة فيما عندهم، وإما رهبة منهم.
وقال الله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) } [سورة الإسراء: 16] .
أي: أمرناهم بالطاعة، فحملتهم الأنفة على المخالفة والفسق، وإنما خصهم بذلك لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور ابتلاء من الله تعالى لهم وبهم.
ومن هنا جعل بعضهم قوله: {أَمَرنَا} منقولاً من أمرنا لهم إمارة، أو جعلناهم أمراً، واستدل له بقراءة يعقوب:"آمرنا"- بالمد -، والرواية عن أبي عمرو:"وأمَّرنا"- بالتشديد -.