لذلك مَنْ يمشي على عجل لا يستغرق زمناً ، كما نقول: (فلان يفهمها وهي طايرة) وهذا يدل على السرعة في الفعل ؛ لأنه يركز كل إدراكاته لشيء واحد.
ومن ناحية أخرى ، لو أن الإسراء والمعراج رؤيا منامية ، أكانت توجد فتنة بين الناس؟ وهَبْ أن قائلاً قال لنا: رأيت الليلة أنني ذهبتُ من القاهرة إلى نيويورك ، ثم إلى هاواي ، ثم إلى اليابان ، أنُكذِّبه؟!
إذن: قَوْل الله تعالى عن هذه الرؤيا أنها فتنة للناس عَدَّلَتْ المعنى من الرؤيا المنامية إلى الرؤية البصرية ، وكأن الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلاً على صدقه ، فيقولون: نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فلو كانت هذه الحادثة مناماً ما قالوا هذا الكلام.
لكن ، ما الحكمة من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث؟
الحكمة تمحيص الناس وصَهْرهم في بوتقة الإيمان لنميز الخبيث من الطيب ، والمؤمن من الكافر ، فلا يبقى في ساحتنا إلا صادق الإيمان قويُّ العقيدة ، لأن الله تعالى لا يريد أن يسلم منهجه الذي سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، إلا إلى قوم موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلاً لحمل هذه الرسالة.
فكان الإسراء هو هذه البوتقة التي ميَّزَتْ بين أصالة الصِّدِّيق حينما أخبروه أن صاحبك يُحدِّثنا أنه أتى بيت المقدس ، وأنه عُرِج به إلى السماء وعاد من ليلته ، فقال:"إنْ كان قال فقد صدق"هكذا من أقرب طريق ، فميزان الصدق عنده مجرد أن يقول رسول الله. وكذلك ميزت الزَّبَد الذي زلزلته الحادثة وبلبلته ، فعارض وكذب.
ثم يقول تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ { [الإسراء: 60]