فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عنه كفار مكة: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]
وكما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ..} [آل عمران: 173] فهؤلاء غير هؤلاء.
وقد وقف العلماء عند كلمة الناس في الآية: إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ.. { [الإسراء: 60] وقصروها على الكافرين الذين يقفون من رسول الله موقف العداء ، لكن لا مانع أن نأخذ هذه الكلمة على عمومها ، فُيَراد بها أحاط بالمؤمنين ، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحاط بالكافرين وعلى رأسهم صناديد الكفر في مكة.
لذلك فالإحاطة هنا ليست واحدة ، فلكل منهما إحاطة تناسبه ، فإنْ كنتَ تريد الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله فهي إحاطة عناية وحماية حتى لا ينالهم أذى ، وإنْ أردتَ بها الكافرين فهي إحاطة حصار لا يُفلِتون منه ولا ينفكُّون عنه ، وهذه الإحاطة لها نظير ، وهذه لها نظير.
فنظير الإحاطة بالكافرين قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22]
أي: حُوصِروا وضُيِّق عليهم فلا يجدون منفذاً.
ونظير الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} [الصافات: 171 - 172]
فالحق سبحانه محيط بالمؤمنين وبرسوله صلى الله عليه وسلم إحاطة عناية ، وكأنه يقول له: امْضِ إلى شأنك وإلى مهمتك ، ولن يُضيرك ما يُدبِّرون.