وكانت الحكمة من هذه الأحداث تمحيص المؤمنين وغربلة المنتسبين لدين الله ، حتى لا يبقى إلا القوي المأمون على حَمْل منهج الله ، والإنسياح به في شتَّى بقاع الأرض ، وحتى لا يبقى في صفوف المؤمنين مَنْ يحمل راية الإيمان لمغنَم دنيوي ، فالغنيمة في الإسلام ليست في الدنيا بل في جنة عَرْضُها السماوات والأرض.
لذلك ، ففي بيعة العقبة الثانية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سل يا محمد لربك ما شئت ، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك."قال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم ، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ فماذا قال لهم رسول الله؟ أقال لهم تملكون الدنيا؟ لا ، بل قال:"لكم الجنة"قالوا: فلك ذلك".
فهذه هي الجائزة الحقيقية التي ينبغي أن يفوز بها المؤمن ؛ لأنه من الجائز أن يموت أحدهم بعد أن أعطى رسول الله هذا العهد ولم يدرك شيئاً من خير الدنيا في ظل الإسلام ، إذن: فالنبي صادق في هذا الوعد. وما دام الجزاء هو الجنة فلا بُدَّ لها من جنود أقوياء يصبرون على الأحداث ، ويُواجهون الفتن والمكائد.
فالمعنى: رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ { [الإسراء: 54] بالخروج من مكة مهاجرين إلى ديار الأمن في الحبشة أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ.. { [الإسراء: 54] أي: عذاباً مقصوداً لكي يُمحِّص إيمانكم ويُميِّز المؤمنين منكم الجديرين بحمل رسالة الله ومنهجه.
ثم يقول تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً { [الإسراء: 54]
الوكيل: هو المفوَّض من صاحب الشأن بفعل شيء ما ، والمراد: ما أرسلناك إلا للبلاغ ، ولستَ مسئولاً بعد ذلك عن إيمانهم ، ولستَ وكيلاً عليهم ؛ لأن الهداية والتوفيق للإيمان بيد الحق سبحانه وتعالى.