إذن: قول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً { [الإسراء: 54]
ليست قهراً لرسول الله ، وليست إنقاصاً من قَدْره ، بل هي رحمة به ورأفة ، كأنه يقول له: لا تُحمِّل نفسك يا محمد فوق طاقتها ، كما خاطبه في آية أخرى بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] فالحق - تبارك وتعالى - في هذه المسألة لا يعتب على رسوله ، بل يعتب لصالحه ، والمتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يجده عِتَاباً لصالحه صلى الله عليه وسلم رحمةً به ، وشفقةً عليه ، لا كما يقول البعض: إن الله تعالى يُصحّح للرسول خطئاً وقع فيه.
ومثال لهذا قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى { [عبس: 1 - 3] الله تعالى يعتب على رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه ترك الرجل الذي جاءه سائلاً عن الدين ، وشَقَّ على نفسه بالذهاب إلى جدال هؤلاء الصناديد ، وكأن الحق سبحانه يشفق على رسوله أن يشقَّ على نفسه ، فالعتاب هنا حِرْصاً على رسول الله وعلى راحته.
وكذلك في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التحريم: 1]
والتحريم تضييق على النفس ، فالحق سبحانه يعتب على رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه ضيَّق على نفسه ، وحرَّم عليها ما أحلَّه الله لها. كما تعتب على ولدك الذي سَهِر طويلاً في المذاكرة حتى أرهقَ نفسه ، فالعتاب لصالح الرسول لا ضده.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...} .