قوله تعالى: {أَعْلَمُ} أفعل تفضيل تدلُّ على المبالغة في العلم ، وإنْ كان الحق سبحانه أعلم فما دونه يمكن أنْ يتصفَ بالعلم ، فنقول: عالم. ولكن الله أعلم ؛ لأن الله تعالى لا يمنع عباده أن تشرئب عقولهم وتطمح إلى معرفة شيء من أسرار الكون.
والمعنى أن الحق سبحانه وتعالى لا يقتصر علمه عليك يا محمد وعلى أمتك ، وقد سُبِقت الآية بقوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ..} [الإسراء: 54] ولكن علمه سبحانه يسَع السماوات والأرض عِلْماً مُطْلقاً لا يغيب عنه مثقال ذرة ، وبمقتضى هذا العلم يُقسِّم الله الأرزاق ويُوزِّع المواهب بين العباد ، كُلّ على حسب حاله ، وعلى قَدْر ما يُصلحه.
فإنْ رأيتَ شخصاً ضيَّق الله عليه فاعلم أنه لا يستحق غير هذا ، ولا يُصلحه إلا ما قَسَمه الله له ؛ لأن الجميع عبيد لله مربوبون له ، ليس بين أحد منهم وبين الله عداوة ، وليس بين أحد منهم وبين الله نسب.
فالجميع عنده سواء ، يعطي كُلاً على قَدْر استعداده عطاءَ ربوبية ، لا يحرم منه حتى الكافر الذي ضاق صدره بالإيمان ، وتمكّن النفاق من قلبه حتى عشق الكفر وأحب النفاق ، فالله تعالى لا يحرمه مِمّا أحبّ ويزيده منه.
إذن: لعلمه سبحانه بمَنْ في السماوات والأرض يعطي عباده على قَدْر مَا يستحقّون في الأمور القَهْرية التي لا اختيارَ لهم فيها ، فهُمْ فيها سواء. أما الأمور الاختيارية فقد تركها الخالق سبحانه لاجتهاد العبد وأَخْذ بالأسباب ، فالأسباب موجودة ، والمادة موجودة ، والجوارح موجودة ، والعقل موجود ، والطاقة موجودة. إذن: على كل إنسان أن يستخدم هذه المعطيات ليرتقي بحياته على قَدْر استطاعته.
ثم يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55]