لذلك إذا رأيتَ شخصين يتنازعان لا صِلَة لك بهما ، ولكن ضايقك هذا النزاع ، فما عليك إلا أنْ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً ، وأتحدّى أن يستمر النزاع بعدها ، إنها الماء البارد الذي يُطفئ نار الغضب ، ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس ، وما أشبهك في هذا الموقف برجل الإطفاء الذي يسارع إلى إخماد الحريق ، وخصوصاً إذا قلت هذه العبارة بنية صادقة في الإصلاح ، وليس لك مأرَبٌ من هذا التدخّل.
والحق سبحانه يقول: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ.. { [الإسراء: 53]
تلاحظ أن نَزْغ الشيطان لا يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني عقدي ، بل ينزغ بين الإخوة والأهل والأحبة ، ألم يَقُل يوسف: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100]
لقد دخل الشيطان بين أولاد النبوة ، وزرع الخلاف حتى بين الأسباط وفيهم رائحة النبوة ، ولذلك لم يتصاعد فيهم الشر ، وهذا دليل على خَيْريتهم ، وأنت تستطيع أنْ تُميِّّز بين الخيِّر والشرير ، فتجد الخيِّر يهدد بلسانه بأعنف الأشياء ، ثم يتضاءل إلى أهون الأشياء ، على عكس الشرير تراه يُهدد بأهونِ الأشياء ، ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون.
انظر إلى قوْل إخوة يوسف: {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً} [يوسف: 9] فقال الآخر وكان أميل إلى الرفق به: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف: 10] وقد اقترح هذا الاقتراح وفي نيته النجاة لأخيه ، بدليل قوله تعالى: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف: 10]
وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم.
ثم يقول تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً { [الإسراء: 53]
أي: أن عداوة الشيطان لكم قديمة منذ أبيكم آدم - عليه السلام - فهي عداوة مسبقة ، قال عنها الحق سبحانه: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117]