وقد يطلُع علينا مَنْ يقول: لقد دفعتُ بالتي هي أحسن ، ومع ذلك لا يزال عدوي قائماً على عداوتي ، ولم أكسب محبته. نقول له: أنت ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن ، ولكن الواقع غير ذلك ، إنك تحاول أنْ تُجرِّب مع الله ، والتجربة مع الله شَكٌّ ، فادفع بالتي هي أحسن من غير تجربة ، وسوف يتحول العدو أمامك إلى صديق.
وما أروعَ قول الشاعر:يَا مَنْ تُضَايِقُه الفِعَالُ مِنَ التيِ ومِنَ الذِي ادْفَع - فَدَيْتُك - بالتِي حتَّى تَرَى فَإذَا الذِيلكن ، لماذا نقول التي هي أحسن؟
لأن الشيطان ينزغ بينكم: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ.. { [الإسراء: 53] والنزْغ هو نَخْس الشيطان ووسوسته ، وقد قال تعالى في آية أخرى:{وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200]
فإن كنْت مُنتبِهاً له ، عارفاً بحيله فذكرتَ الله عند نَخْسه ونَزْعه انصرف عنك ، وذهب إلى غيرك ؛ لذلك يقول تعالى عن الشيطان: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4] أي: الذي يخنس ويختفي إذا ذُكِرَ الله ، لكن إذا رأى منك ضعفاً وغفلة ومرَّتْ عليك حِيَلُة ، واستجبتَ لوساوسه ، فقد أصبحت فريسة سهلة بين أنيابه ومخالبه.
وعادةً تأتي خواطر الشيطان وكأنها مِجَسٌّ للمؤمن واختبار لانتباهه وحَذَّره من هذا العدو ، فينزغه الشيطان مرَّة بعد أخرى لِيُجرّبه ويختبره. فإذا كان النزغ هكذا ، فأنت حين تجادل بالتي هي أحسن لا تعطي للشيطان فُرْصة لأنْ يُؤجِّج العداوة الشخصية بينكما ، فيُزيّن لك شَتْمه أو لَعْنه ، وهكذا يتحول الخلاف في المبدأ العام إلى عداوة ذاتية شخصية.