اعلم وفقك اللّه أن الروح في الجسم الإنساني وغيره عبارة عن جسم نوراني علوي حي متحرك ، مختلف بالماهية لهذا الجسم المحسوس ، سار فيه سريان الماء في الورد ، والدهن بالزيتون والسمسم ، والزبد في اللبن ، والدهن في الجواز واللوز والبطم وما أشبهها ، والهواء في البدن والنار في الفحم ، وسريان نور الشمس على مطلق الأضواء ، لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق ، مفيد للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحا يقبل الفيض الإلهي لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة.
ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان ، إذ أن هذه السراية تفطن الإنسان بأن ظهور الأشياء وحياتها ومنبع نشأتها ونمائها منها ليس إلا ، وهذا غاية نهاية ما يمكن أن يتكلم فيه عن الروح ، إذ الاطلاع على كنهها أمر خارج علمه عن طوق البشر ، وليس له أن يبحث عنه ، لأن البحث بأكثر من هذا عقيم ، وعليه فإن الروح عبارة عن ذلك الجسم الموصوف أعلاه.
البحث الثاني في حدوث الروح وقدمه ، واعلم هداك اللّه أن المسلمين أجمعوا على أن الروح حادثة حدوثا زمانيا كسائر أجزاء العالم ، والقول الصحيح أن حدوثها قبل حدوث البدن ، لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
فإن هذا الحديث يشير إلى الإخبار بأن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد ، لأن معنى هذا الحديث الشريف أن ما تعارف منها عند خلقها الأول ائتلف عند خلق أجسادها ، والعكس بالعكس.
ومن قال إن الأرواح في برزخ منقطع العناصر ، فإذا استعد جسد لشيء منها هبط إليه ، وإنها تعود إلى ذلك البرزخ بعد الوفاة
كابن حزم ، فلا دليل له على ذلك.
وليس في قوله صراحة خلق الجسم قبل الروح ، بل يفيد ظاهره أن الروح مخلوقة قبل ، لقوله في برزخ.