وإنَّما قال: {خَسِرُوا} ؛ لأنَّه شبَّه أعمال العبد بالمتاجر؛ فمن ثقلت موازينه بالإيمان والعمل الصالح ربح في تجارته وأفلح، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [سورة فاطر: 29، 30] ، ومن خفَّت موازينه - إذ لا إيمان له بالكليَّة، أو لا عمل صالح، أو له معاص لا كفارة لها - فقد خسرت تجارته، وخاب مسعاه، كما قال الله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [سورة يونس: 45] ، وقال تعالى:
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [سورة الكهف: 103 - 105] ، وقال تعالى بعد ذكر المنافقين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [سورة البقرة: 16] ، وقال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [سورة الحج: 11] .
وهذا معيار لا شبهة فيه: أنَّ الإيمان والعمل الصالح سبب الفلاح، والكفر والعمل السيئ سبب الخسران والخذلان.
وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذرِّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي كل - صلى الله عليه وسلم - قال:"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ للإيمانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيْماَّ، وَلِسانهُ صادِقا، وَنفسَهُ مُطْمَئِنَةً، وَخَلِيْقَتَهُ مُسْتَقِيْمَةً، وَأُذُنهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ ناظِرَةً".