الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن ، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم ، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم ، ثم بدأ ينحت العظام ، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً ، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً ، ثم ينكمش ويجفّ ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد ، وكأنه لباس يرتديه الجائع .
وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع ، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته ، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً . .} [البقرة: 273] .
وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب ، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك ، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص ، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله ، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه .
وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية ، وجعلها محسوسة تراها العيون ، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق ؛ لأنها أقوى الحواسّ .
وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم كله ، كما يلفّه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط ، وليس الخوف في القلب فقط .
ومن ذلك ما اشتُهِر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب ، فنراهم يتحدثون عن القلوب ، كما قال الشاعر:
خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَسِيغُ مَودَّتي ... فَأُحِسُّ مِنْها في الفُؤادِ دَبِيبَا
فإذا ما زاد الحب وتسامى ، وارتقت هذه المشاعر ، تحوَّل الحب من القلب ، وسكَن جميع الجوارح ، وخالط كل الأعضاء ، على حَدِّ قول الشاعر:
لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفِيهِ صَبَابةٌ ... فَكأنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا
وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .