الإشارة راجعة إلى وعيد من كفر بعد الإيمان. أَي ذلك الوعيد السابق. بإِنزال الغضب والعذاب العظيم عليهم منه تعالى بسبب إيثارهم الدنيا وزينتها وتعلقهم بمطامعها ومفاتنها وإِعراضهم عن الآخرة. إيثارا للعاجل الفاني. على النعيم الباقي.
{وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} : أَي وذلك الوعيد أيضا بسبب أَن الله تعالى لا يهدي القوم الكافرين الإِيمان، على سبيل القهر والإلجاء؛ لأنه ثبت في علمه المحيط اختيارهم الكفر على الإيمان وإِصرارهم عليه، فلهذا لم يعصمهم من الزيغ, ولا مما يؤدي إِليه من إنزال الغضب عليهم. والعذاب العظيم بهم, فمن بعُد عن الله بعد اللهُ عنه وأَدناه من عقابه، ومن تقرب إلى الله قرب الله منه وأدناه من رحمته.
108 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ .. } :
أي أولئك الموصوفون بما ذكرته الآيات السابقة من ألوان الكفر، وقبائح الأعمال، ختم الله على قلوبهم فصارت مغلقة لا تقبل الحق، وعلى أسماعهم فلم يعودوا يسمعون سماع فهم وتدبر كأَنهم صُمّ، وختم على أبصارهم فلا تحسن رؤْية ما يحيط بهم من عجائب الكون التي تتحدث بقدرة الخالق، ووحدانية المبدع جل شأنه. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} : أي وأُولَئِك هم الغارقون في الغفلة البالغون غايتها ومنتهاها دون سواهم، إذ لا غفلة أقوى في آثارها من الغفلة عن تدبر العواقب الوخيمة، والتفكير في المصالح العظيمة.
وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه قال: غافلون عما يراد بهم في الآخرة.
109 - {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :
أَى لا محالة أَنهم هم الخاسرون في أُخراهم، حيث ضيَّعوا أعمارهم فيما لا يفيد، وصرفوها في اقتراف المعاصي والآثام التي تفضي بهم إِلى غضب الله عيهم، والخلود في العذاب الأليم، وكان عليهم أَن يتجهوا إلى ما خلقوا له من توحيد الله وعبادته، وإلى كل عمل نافع لهم في الدنيا والآخرة.
110 - {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} :