أي ثم إن ربك يا محمد نصير لمن هاجروا من دار الكفر إِلى دار الإِسلام من بعد ما فتنهم الكافرون وآذوهم بالعذاب لحملهم على الارتداد، ثم جاهدوا أنفسهم وصبروا على أذى معذبيهم، فلم يشكوا ولم يكفروا، بل ظلموا على سلامة عقيدتهم التي يخفونها ويضمرون التمسك بها.
والآية نزلت في عمار وخباب ونحوهما ممن أُوذوا في سبيل الله.
وقرأ ابن عامر: {مِنْ بَعْدِ مَا فَتَنُوا} بالبناء للفاعل أي من بعد ما فتنوا غيرهم، أي من بعد عذب المشركون المؤْمنين كالحضرمي أَكْره مولاه جبْرًا على الارتداد ثم أسلما وهاجرا.
وأصل الفتْن إدخال الذهب في النار لتمييز الجيد من الرديء. ثم أُطلق على البلاء وتعذيب الإنسان مجازًا، {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} : إِن ربك يا محمد من بعد ما فعلوه من الهجرة والجهاد في سبيل الله والصبر على المشاق لعظيم المغفرة. يغفر لهم ما أُكرهوا عليه من كلمة كفر قالوها ليتقوا بها العذاب. ويغفر لهم غيرها من السيئات - إن ربك عن بعد ذلك - لواسع المغفرة والرحمة فيتفضل بإثابتهم على ما صنعوا من هجرة وجهاد وصبر، من بعد فتنتهم وإيقاع العذاب بهم، وفي إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. إشارة إلى إظهار كمال اللطف به، والعناية بشأنه، مع الإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة ببركته عليه الصلاة والسلام لكونهم أتباعًا له صلوات الله عليه وسلامه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...