{وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} : على أنبيائه من أَحكام أو معجزات ويعلم وجه مناسبته لزمانه، فكل وقت من الأحكام والآيات ما يناسبه، فما يكون مصلحة في زمن. قد يكون مفسدةً في زمن غيره، وما يكون معجزة لنبي مع قوم بعث إِليهم قد لا يتناسب مع آخرين ليحصل به التحدي والإفْحام.
وجملة {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} ذكرت اعتراضا بين الشرط والجواب لتوبيخ المشركين والتنبيه على فساد رأيهم، لأنهم لو أنصفوا أنفسهم لتركوا أمر ذلك إلى علم الحكيم الخبير.
وحكى شأنه جرمهم الذي اقترفوه عندما وقع التبديل، فقال تعالى:
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} : أي قال الكافرون مخاطبين الصادق الأمين: ما أَنت إلَّا مُتقولٌ على الله مختلق نسبة الأحكام إليه لأنك تنسخ أَحكاما جاءت في الرسالات السابقة، مع أنها من عند الله، ولم يقولوا ذلك عن دراية {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : شيئًا أصلا فهم جهلاء أَغبياءُ أو لا يعلمون أن في التبديل حِكمًا بالغة.
وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم، لأن بعضهم كان يعلم يقينا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإِنما يصفه بالافتراء مكابرة وعنادا.
102 - {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} :
قل أَيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يصفونك بافتراء القرآن، قل لهم ليس هذا القرآن مفترى بل نزله روح القدس جبريل عليك بالحق من ربك الذي يحيطك بآثار ربوبيته، نزله عليك ليُثبت الذين آمنوا على الإيمان ويبعدهم عن ضلال العقيدة، لما فيه من الحجج والبراهين المطمئنة للقلوب، وليثبتهم على التصديق بأن النسخ فيه لمصلحة
البشر, وليهديهم إلى سبيل الرشاد، ويبشرهم بحسن الجزاء وكريم اللقاء، وفيه دليل على أن أَضداد الصفات المذكورة للمفترين من الكفار، فلهم خزي الدنيا وعذاب النار.