قوله {ذلك} إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية ، والضمير في {أنهم} ل {من شرح بالكفر صدراً} [النحل: 106] ، ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك وإن كانوا مصدقين بآخرة لكن الأمر في نفسه بين ، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره ، وهذه الآية علق فيها العقاب بتكسبهم وذلك أن استحبابهم زينة الدنيا ولذات الكفر هو التكسب ، وقوله {وأن الله لا يهدي} إشارة إلى اختراع الله تعالى الكفر في قلوبهم ، ولا شك أن كفر الكافر الذي يتعلق به العقاب إنما هو باختراع من الله تعالى وتكسب من الكافر ، فجمعت الآية بين الأمرين ، وعلى هذا مرت عقيدة أهل السنة ، وقوله {لا يهدي القوم الكافرين} عموم على أنه لا يهديهم من حيث إنهم كفار في نفس كفرهم ، أو عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي ، وقوله {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} الآية ، عبارة عن صرف الله لهم عن طريق الهدى ، واختراع الكفر المظلم في قلوبهم ، وتغليب الإعراض على نظرهم ، فكأنه سد بذلك طرق هذه الحواس حتى لا ينتفع بها في اعتبار وتأمل ، وقد تقدم القول وذكر الاختلاف في الطبع والختم في سورة البقرة ، وهل هو حقيقة أو مجاز؟ و"السمع"اسم جنس وهو مصدر في الأصل ، فلذلك وحد ، ونبه على تكسبهم الإعراض عن النظر ، فوصفهم ب"الغفلة"، وقد تقدم شرح {لا جرم} في هذه السورة ، وقوله {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية ، قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم ، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا ، فاستغفروا لهم ، فنزلت {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] إلى آخر الآية قال: وكتب بها إلى من بقي بمكة من المسلمين وأن لا عذر لهم ، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت {ومن الناس من يقول آمنا بالله} [البقرة: 8 العنكبوت: