وقال أهل المعاني في هذه الآية: إنما جمعت الأوصاف الثلاثة للبيان عن تفصيل المنهي عنه؛ فالفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه، والمنكر: ما يظهر للناس مما يجب إنكاره، والبغي: ما يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون إلا من الفاعل على غيره، والظلم قد يكون ظلم الفاعل لنفسه، وفي حديث أبي سلمة عن أبيه:"وإن أعجلَ المعصيةِ عقابًا: البغي واليمين الفاجرة؛ تُذهبُ المالَ وتَتركُ البيتَ بَلَاقِع".
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لو أن جبلًا بغى على جبل لدُكَّ الباغي منهما، وقال خالد الربعي: إن مما يعجل عقوبته ولا يؤخر الأمانة تُخَان، والإحسانُ يُكْفَر، والرحم تُقْطَع، والبغي على الناس.
وقوله تعالى: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال ابن عباس: يريد ينهاكم عن هذا كله ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي تتعظوا، قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية، وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى في الآية الأولى؛ فقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، ثم بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه مجملًا، فما من شيء يُحتاجُ إليه في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية.
91 -قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} قال المفسرون وأهل العلم: العهد الذي يجب الوفاء به فهو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد يجب الوفاء به، قال ابن عباس في هذه الآية: والوعد من العهد، وقال ميمون بن مِهْران: من عاهدته فَفِ له بعهده مسلمًا كان أو كافرًا؛ فإنما العهد لله.
وقوله تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} قال مجاهد: يعني تغليظ الحلف، وقال ابن عباس بعد تشديدها، وإنما قال: بعد
توكيدها؛ فرقًا بين الأيمان المؤكدة بالعزم والعقد، وبين لغو اليمين.