ينزل قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(67) . أي: يعقلون البواطن من
الظواهر.
قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68) .
يريد: من بناء وبيوت وغير ذلك (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ
الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ... (69) . يمكن أن يكون المراد بقوله: (فَاسْلُكِي)
مخاطبة النحل، ويمكن أن يكون المراد الثمرات المأكولات، أي: اسلكي سبل ربك
في الخلقة، ثم أخبر عما يخرج من النحل بقوله:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ).
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الشفاء في ثلاث: شرطة محجم، أو لدغة بنار، أو شربة"
عسل"."
وفي مفهوم هذا الخطاب العلم أيضًا بكيف يكون المؤمن في دنياه؟ وكيف
يرتزق؟ ومن أين يتطلبه؟ وكيف يكون في اعتباره؟ وما يؤمله إلى المطلوب الأعلى
والمنتهى الأرفع والنظر في الموجودات، فمثال المؤمن التقي مثال النحلة تأكل طيبًا
وتضع طيبًا، وتسترزق من المباحات، وأوحى إليها ربها بإلهام الفطرة كالمؤمن سواء
يسلكن سبل ربهن في معاملاتهن بحكمة في بنائهن وسيرهن كلها في معاملاتهن،
فيأكلن من كل الثمرات فيصيره الله عسلاً مختلف الألوان.
كذلك المؤمن الناظر في مخلوقات ربه وكتابه المعتبر بآياته إلى ما هي عليه
آيات يقع توهمه على جميع المعتبرات، ويشرح في المصنوعات، ويتقرَّأ آيات ربه
في الأرض والسماوات محدس بفطنته من كل أزهارها الموجودات، ويأكل بالتذكار
بها من كل الثمرات، ويتطعم بالعلم من كل المذاقات، فيعقل قلبه أنواع المعقولات
من إثارات الأسماء والصفات في كل الموجودات، ويجمع في لبه من نوارها أنوار
اليقين، فترجع إليه تلك الخطرات منزعة بالعلوم منشرحة بالنور مسرجة من النور
المبين، فيخرجها الله على ألسنتهم أدوية يحيي بها الموتى ويشفي بها غليل
الصدور، يسمع بها الصم، ويهدي بها العمي، ويشفي ببركتها المرضى، ويطلق بها