وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها ؛ وهذا كقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} [النور: 43] ؛ فخاطبهم بالبَرَد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيراً عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج ؛ لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبيّ صلى الله عليه وسلم معاً في التطهير فقال:"اللَّهُمّ اغسلني بماء وثلج وبَردَ"قال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قَطّ.
وقيل: إن ترك ذكر القطن والكَتّان إنما كان إعراضاً عن التَّرَف ؛ إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف.
وهذا فيه نظر ؛ فإنه سبحانه يقول: {يا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} [الأعراف: 26] حسبما تقدّم بيانه في"الأعراف".
وقال هنا:"وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ"فأشار إلى القطن والكَتّان في لفظة"سرابيل"والله أعلم.
و {أَثَاثاً} قال الخليل: متاعاً منضماً بعضه إلى بعض ؛ من أَثّ إذا كثر.
قال:
وفَرْعٍ يَزِين المَتْنَ أسودَ فاحمٍ ...
أَثيثٍ كقِنْوِ النخلة المُتَعَثْكِلِ
ابن عباس:"أَثَاثاً"ثياباً.
وقد تقدّم.
وتضمّنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال ، ولذلك قال أصحابنا: صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال ، ويغسل مخافة أن يكون عَلِق به وسخ ؛ وكذلك روت أم سلمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا بأس بجلد الميتة إذا دُبغ وصوفِها وشعرِها إذا غُسل"أنه مما لا يَحُلّه الموت ، وسواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا ، كشعر ابن آدم والخنزير ، فإنه طاهر كله ؛ وبه قال أبو حنيفة ، ولكنه زاد علينا فقال: القَرْن والسِّن والعظم مثل الشعر ؛ قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان.