ويحتمل أن يريد بقوله: {مِّن جُلُودِ الأنعام} بيوت الأَدَم فقط كما قدمناه أولاً.
ويكون قوله:"ومن أصوافها"عطفاً على قوله:"من جلود الأنعام"أي جعل بيوتاً أيضاً.
قال ابن العربي:"وهذا أمر انتشر في تلك الديار، وعَزَبت عنه بلادنا، فلا تُضرب الأخبِيَة عندنا إلاّ من الكَتّان والصوف، وقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم قُبّة من أَدَم، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة، واعتلاء في الصنعة، وحسنا في البشرة، ولم يعدّ ذلك صلى الله عليه وسلم تَرفا ولا رآه سرفاً؛ لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان."
ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين، فدخلنا عليه في خباء كَتّان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفاً، وقال: إن هذا موضع يكثر فيه الحَرّ والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك؛ فقال: هذا الخباء لنا كثير، وكان في صنعنا من الحقير؛ فقلت: ليس كما زعمت! فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قُبّة من أَدَم طائفيّ يسافر معها ويستظلّ بها؛ فُبهت، ورأيته على منزلة من العيّ فتركته مع صاحبي وخرجت عنه"."
الثالثة قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووَبَر الإبل وشعر المعز، كما أذِن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها، ولم يذكر القطن والكتّان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما عدّد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا.