ونلاحظ أيضاً تقديم السمع على باقي الحواس ؛ لأنه أول الإدراكات ويصاحب الإنسان منذ أنْ يُولدَ إلى أنْ يفارق الحياة ، ولا يغيب عنه حتى لو كان نائماً ؛ لأن بالسمع يتم الاستدعاء من النوم .
وقد قُلْنا في قصة أهل الكهف أنهم ما كان لهم أن يناموا في سُبات عميق ثلاثمائة وتسع سنين إلا إذا حجب الله عنهم هذه الحاسة ، فلا تزعجهم الأصوات . فقال تعالى: {فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً} [الكهف: 11] .
أي: قُلْنا للأذن تعطّلي هذه المدة حتى لا تزعجهم أصوات الصحراء ، وتقلق مضاجعهم ، والله تعالى يريد لهم السُّبات والنوم العميق .
وفي قوله تعالى:
{وَجَعَلَ لَكُمُ السمع . .} [النحل: 78] .
هل توجد هذه الإدراكات بعد الإخراج (الميلاد) أم هي موجودة قبله؟ . . يجب أنْ نُفرّق بين السمع وآلته ، فقبل الإخراج تتكون للجنين آلات البصر والسمع والتذوّق وغيرها . . لكنها آلات لا تعمل ، فالجنين في بطن أمه تابع لها ، وليست له حياة ذاتية ، فإذا ما نزل إلى الدنيا واستقلّ بحياته يجعل الله له هذه الآلات تعمل عملها .
إذن: فمعنى:
{وَجَعَلَ لَكُمُ السمع ...} [النحل: 78] .
أي: جعل لكم الاستماع ، لا آلة السمع .
وقوله:
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
تُوحي الآية بأن السمع والأبصار والأفئدة ستعطي لنا كثيراً من المعلومات الجديدة والإدراكات التي تنفعنا في حياتنا وفي مُقوّمات وجودنا ، وننفع بها غيرنا ، وهذه النعم تستحقّ منا الشكر .
فكلما سمعتَ صَوْتاً أو حكمة تحمد الله أن جعل لك أُذناً تسمع ، وكلما أبصرتَ منظراً بديعاً تحمد الله أنْ جعلَ لك عيناً ترى ، وكلما شممتَ رائحة زكية تحمد الله أنْ جعل لك أنفاً تشمُّ . . وهكذا تستوجب النعم شُكْر المنعم سبحانه .