ولكي تقف على نِعَم الله عليك انظر إلى مَنْ حُرِموا منها ، وتأمّل حالك وحالهم ، وما أنتَ فيه من نعم الحياة ولذّاتها ، وما هُمْ فيه من حِرْمَان .
ثم ينقلنا الحق سبحانه نقلة أخرى في قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير ...} .
فالحق سبحانه ينقلنا هنا إلى صورة أخرى من صُوَر الكون . . بعد أن حدّثنا عن الإنسان وما حوله . . فالإنسان قبل أنْ يخلقه الله في هذا الوجود أعدَّ له مُقوِّمات حياته ، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء والمياه والهواء ، كل هذه أشياء وُجِدتْ قبل الإنسان ، لِتُهيئ له الوجود في هذا الكون .
والله سبحانه يريد منّا بعد أنْ كفلَ لنا استبقاء الحياة بالرزق ، واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر ، يريد منّا إثراء عقائدنا بالنظر في ملكوت الله وما فيه من العجائب ؛ لنستدل على أنه سبحانه هندسَ كَوْنه هندسة بديعة متداخلة ، وأحكمه إحكاماً لا تصادم فيه . {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
فالنظر إلى كَوْن الله الفسيح ، كم فيه من كواكب ونجوم وأجرام . كم هو مليء بالحركة والسكون والاستدارة . ومع ذلك لم يحدث فيه تصادم ، ولم تحدث منه مضرة أبداً في يوم من الأيام . . الكون كله يسير بنظام دقيق وتناسق عجيب ؛ ولكي تتجلى لك هذه الحقيقة انظر إلى صَنْعة الإنسان ، كم فيها من تصادم وحوادث يروح ضحيتها الآلاف .
هذا مَثلٌ مُشَاهَد للجميع ، الطير في السماء . . ما الذي يُمسكها أنْ تقعَ على الأرض؟ وكأن الحق سبحانه يجب أنْ يُلفتنا إلى قضية أكبر: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ . .} [فاطر: 41] .