ومن هذا الغَيْب المطلق غَيْبٌ استأثر الله به ، ولا يُطلع عليه أحداً حتى الرسل . ."ولما سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، قال:"ما المسئول عنها بأعلم من السائل"."
وفي الإسراء والمعراج يحدثنا صلى الله عليه وسلم أن الله قد أعطاه ثلاثة أوعية: وعاء أمره بتبليغه وهو وعاء الرسالة ، ووعاء خَيَّره فيه فلا يعطيه إلا لأهل الاستعداد السلوكي الذين يتقبلون أسرار الله ولا تنكرها عقولهم ، ووعاء منعه فهو خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولذلك يقول راوي الحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني وعاءين ، أما أحدهما فقد بثثْتُه أي رويْته وقُلْته للناس ، وأما الآخر فلو بُحْت به لَقُطِع حلقومي هذا ، فهذا من الأسرار التي يختار الرسول صلى الله عليه وسلم لها مَنْ يحفظها .
قوله تعالى:
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض . .} [النحل: 77] .
هذا يُسمُّونه أسلوب قَصْر بتقديم الجار والمجرور ، أي قصر غيب السماوات والأرض عليه سبحانه ، فلو قلنا مثلاً: غيب السماوات والأرض لله ، فيحتمل أن يقول قائل: ولغير الله ، أما:
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض . .} [النحل: 77] .
أي: له وحده لا شريك له .
ومعنى السماوات والأرض ، أي: وما بينهما وما وراءهما ، ولكن المشهور من مخلوقات الله: السماء ، والأرض .
ثم يقول تعالى:
{وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ...} [النحل: 77] .
جاءت الآية بهذا الغَيْب الوحيد ؛ لأنه الغيب الذي استأثر الله به . . ولا يُجلّيها لوقتها إلا هو . . فناسب الحديث عن الغيب أنْ يأتيَ بهذا الغَيْب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله .
وما هو لَمْح البصر؟