ومثال هذا الغيب: إذا كلفتَ ولدك بِحلِّ تمرين هندسيٍّ . . ومعنى حَلِّ التمرين أنْ يصلَ الولدُ إلى نقطة تريد أنت أنْ يصلَ إليها . . ماذا يفعل الولد؟ يأخذ ما تعطيه من مُعْطيات ، ثم يستخدم ما لديْه من نظريات ، وما يملكه من ذكاء ويستخرج منها المطلوب .
فالولد هنا لم يَأْتِ بجديد ، بل استخدم المعطيات ، وهكذا الأشياء الموجودة في الكون هي المعطيات مَنْ بحثَ فيها توصَّل إلى غيبيَّات الكون وأسراره .
وهذا النوع من الغيب يقول عنه الحق سبحانه: {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلي العظيم} [البقرة: 255] .
فإذا أذنَ الله لهم تكشفتْ لهم الأسرار: إما بالبحث ، وإما بالخطأ ، أو حتى بالمصادفة . . فطالما حان وقت ميلاد هذا الغيْب واكتشافه ؛ فإن صادف بَحْثاً من البشر التقيا ، وإلاَّ أظهره الله لنَا دون بَحْث ودون سَعْي مِنَّا .
وهناك نوع آخر من الغيب ، وهو الغَيْب المطلق ، وهو غَيْب عن كل البشر استأثر الله به ، وليس له مُقدِّمات وأسباب تُوصَّل إليه ، كما في النوع الأول . . هذا الغَيْب ، قال تعالى في شأنه: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ...} [الجن: 26 - 27] .
فإذا ما أعلمنا الرسول غَيْباً من الغيبيات فلا نقول: إنه يعلم الغيب . . لأنه لا يعلم إلا ما أعلمه الله من الغيب . . إذن: هذا غَيْب لا يدركه أحد بذاته أبداً .