فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ .. أي فالذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها ولا يصدّقون بها، ولا يؤمنون بالوحدانية قلوبهم منكرة للتّوحيد، وهم مستكبرون عن الإقرار بالوحدانية وعن عبادة الله، فلا يرغبون في حصول الثواب، ولا يرهبون من الوقوع في العقاب.
والمعنى أن الكافرين تنكر قلوبهم الوحدانية، كما قال تعالى واصفا تعجبهم منها: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص 38/ 5] . وقال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر 39/ 45] .
ثم هددهم تعالى وأوعدهم على أعمالهم، فقال: لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ .. أي حقّا، إنّ ربّك يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون وما يعلنون، ويعلم إصرارهم على كفرهم، وسيجزيهم على ذلك أتمّ الجزاء، إنه لا يحبّ المستكبرين عن التوحيد وهم
المشركون، بل وكلّ مستكبر، أي يعاقبهم ويجازيهم. وهذا الوعيد يتناول كلّ المتكبّرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات مناقشة حادّة مع المشركين، فيها إنكار لعبادتهم الأصنام، وتهكّم بهم، وبيان فساد تفكيرهم وسوء تقديرهم، وسوء صنيعهم، وصدودهم عن الحقّ، وإعلان تصميمهم على الكفر والشّرك.
وأول فساد في تفكيرهم أن الأصنام مخلوقة وعاجزة عن خلق غيرها، فهي لا تضرّ ولا تنفع، فكيف تتخذ آلهة؟! ومن كان قادرا على خلق الأشياء، كان بالعبادة أحقّ ممن هو مخلوق لا يضرّ ولا ينفع.
والفساد الثاني أنهم ينكرون نعم الله وإحسانه لهم، وأبسط مبادئ التدين والأخلاق مقابلة النعمة وشكرها، وهم لم يشكروها.
والفساد الثالث أن الأصنام جمادات لا تعلم شيئا، فكيف توصف بالألوهية؟ والإله ينبغي أن يكون عالما بالسّرائر والظواهر، محيطا بأحوال العابدين، حتى يلبي مطلبهم، ويجازي مقصرهم ومسيئهم.