28 -ثم بين الكافرين الذين يستحقون هذا العذاب، هم الذين استمر كفرهم إلى أن تتوفاهم الملائكة وهم ظالموا أنفسهم، فقال: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين، وفائدة هذا النعت تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت، دون من آمن منهم، ولو في آخر عمره؛ أي: إن الخزي والسوء على الكافرين الذين استمروا على الكفر حتى تقبض ملائكة الموت أرواحهم؛ أي: عزرائيل وأعوانه حالة كونهم {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ومعرضيها للعذاب المخلد، باستمرارهم عل كفرهم واستكبارهم عن طاعة الملك الجبار، وتبديلهم فطرة الله تبديلًا وأي ظلم للنفس أشد من الكفر، وقرأ حمزة والأعمش: {يتوفاهم} بالياء من أسفل في الموضعين، وقرئ بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها، وفي مصحف عبد الله بتاء واحدة في الموضعين، ذكره في"البحر".
ثم ذكر حالهم حينئذٍ من الخضوع والمذلة فقال: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} عطف على قوله تعالى: {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ} والسلم بالتحريك الاستسلام؛ أي: فيلقون الاستسلام والانقياد في الآخرة، حين عاينوا العذاب، ويتركون المشاقة والمخاصمة، وينزلون عما كانوا عليه في الدنيا من التكبر، والعلو وشدة الشكيمة قائلين: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ} في الدنيا {مِنْ سُوءٍ} ؛ أي: من شرك، قالوا ذلك منكرين لصدوره عنهم قصدًا لتخليص نفوسهم من العذاب؛ أي: أسلموا وأقروا لله بالعبودية، حين عاينوا العذاب عند الموت، قائلين ما كنا نشرك بربنا أحدًا، وهم قد كذبوا على ربهم واعتصموا بالباطل رجاء النجاة، ونحو الآية قوله تعالى حكاية عنهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} .
{بَلَى} رد عليهم من قبل الله تعالى، أو من قبل الملائكة، أو من قبل أولي العلم، وإثبات لما نفوه؛ أي: فتقول الملائكة بلى كنتم تعملون أعظم الشرك وأقبح الآثام و {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الشرك، فهو يجازيكم عليه، وهذا أوانه فلا يفيدكم إنكاركم وكذبكم على أنفسكم