إذن: جاء الحَدثُ من الله تعالى مرة ، ومن رئيس الملائكة عزرائيل مرة ، ومن مُسَاعديه من الملائكة مرة أخرى ، إذن: الأمر إما للمزاولة مباشرة ، وإما للواسطة ، وإما للأصل الآمر . وقوله تعالى:
{تَتَوَفَّاهُمُ ...} [النحل: 28] .
معنى التوفيّ من وفَّاه حقَّه أي: وفَّاه أجله ، ولم ينقص منه شيئاً ، كما تقول للرجل وَفَّيتُك دَيْنك .. أي: أخذت ما لك عندي .
{ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...} [النحل: 28] .
نلاحظ أنها جاءت بصيغة الجمع ، و {ظَالِمِي} يعني ظالمين و {أَنْفُسِهِمْ} جمع ، وحين يُقَابَل الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً أي: أن كلاً منهم يظلم نفسه .
ثم يقول الحق سبحانه:
{فَأَلْقَوُاْ السلم ...} [النحل: 28] .
أي: خضعوا واستسلموا ولم يَعُدْ ينفعهم تكبّرهم وعجرفتهم في الدنيا . . ذهب عنهم كل هذا بذَهَاب الدنيا التي راحتْ من بين أيديهم . وما داموا ألقوا السَّلم الآن ، إذن: فقد كانوا في حرب قبل ذلك كانوا في حرب مع أنفسهم وهم أصحاب الشِّقاق في قوله تعالى: {تُشَاقُّونَ} [النحل: 27] .
أي: تجعلون هذا في شِقٍّ ، وهذا في شِقٍّ ، وكأن الآية تقول: لقد رفعوا الراية البيضاء وقالوا: لا جَلَد لنا على الحرب .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى:
{مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء . .} [النحل: 28] .
هذا كقوله تعالى في آية أخرى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] .
والواقع أنهم بعد أنْ ألقَوا السلم ورفعوا الراية البيضاء واستسلموا ، أخذهم موقف العذاب فقالوا محاولين الدفاعَ عن أنفسهم:
{مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء . .} [النحل: 28] .
وتعجب من كَذِب هؤلاء على الله في مثل هذا الموقف ، على مَنْ تكذبون الآن؟!
فيرد عليهم الحق سبحانه:
{بلى . .} [النحل: 28] .