أي: كأن الجسد كله قد سار مُمتلِكاً لحاسة التذوق، وكأن الجوع قد أصبح لباساً؛ يعاني منه صاحبه؛ فيجوع بقفاه، ويجوع بوجهه، ويجوع بذراعه وجلده وخطواته، وبكل ما فيه.
وساعة يحدث هذا الخِزي فكُلُّ خلايا الاستكبار تنتهي، خصوصاً أمام مَنْ كان يدَّعي عليهم الإنسان أن عظمته وتجبّره وغروره باقٍ، وله ما يسنده.
ويتابع سبحانه متحدياً:
{أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] . أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم؛ فجعلتم من أنفسكم شُقَّة، وجعلتم من المؤمنين شُقَّة أخرى، وكلمة {تُشَاقُّونَ} مأخوذة من"الشق"ويقال:"شَقَّ الجدار أو شَقَّ الخشب"والمقصود هنا أنْ جعلتم المؤمنين، ومَنْ مع الرسول في شُقَّة تُعادونها، وأخذتُم جانب الباطل، وتركتُم جانب الحق.
وهنا يقول مَنْ آتاهم الله العلم:
{قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين} [النحل: 27] .
وكأن هذا الأمر سيصير مشهداً بمحضر الحق سبحانه بين مَنْ مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيحضره الذين أتاهم الله العلم.
والعلم كما نعلم يأتي من الله مباشرة؛ ثم يُنقَل إلى الملائكة؛ ثم يُنقَل من الملائكة إلى الرُّسل، ثم يُنقل من الرُّسُل إلى الأُمم التي كلَّفَ الحق سبحانه رسله أنْ يُبلِّغوهم منهجه.
وكَما شهدتْ الدنيا سقوط المناهج التي اتبعوها من أهوائهم، وسقوط مَنْ عبدوهم من دون الله سيشهد اليوم الآخر الخِزْي والسوء وهو يحيط بهم، وقد يكون الخِزْي من هَوْل الموقف العظيم، ويحمي الله مَنْ آمنوا به بالاطمئنان.
ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال:"ألا هل بلغت، اللهم فأشهد".